إعادة الترميم في عالم آخر من الصفر
كانت الغرفة تفوح منها رائحة الكتب والعطور القديمة، وكانت إيكيدنا جالسةً أمامه بابتسامتها المعتادة — تلك الابتسامة التي لا تُخبرك أبداً ما إذا كانت تشعر بشيء حقيقي أم لا.
الكأس في يدها. العقد أمامه على الطاولة. وسوبارو يحدّق فيه وكأنه يحدّق في نهاية العالم.
الاستمرارية. ما معنى ذلك حقاً؟
كان يعرف ما ينطوي عليه الأمر. خطّة كتب الموتى — نسخ الوعي، تجميع الذكريات من نقاط موت متعددة، إعادة البناء من شظايا نفوس كثيرة. ليس موتاً حقيقياً. ليس حياةً حقيقية. شيءٌ بين بين.
ذوبان. كلمة مريحة بشكل مزعج.
فكّر في إميليا. في ريم. في بياتريس. في كل من أحبّهم ووعدهم. هل سيتذكّر وجوههم بنفس الطريقة بعد أن يمرّ بهذا؟ هل ستظل تلك المشاعر كما هي أم ستصبح مجرّد بيانات محفوظة في وعيٍ مُرمَّم؟
وفي تلك اللحظة، بالضبط تلك اللحظة، لم يفكّر سوبارو في نفسه.
مدّ يده ووقّع.
لم يكن الألم فورياً. بل جاء على شكل ضباب — إحساس خفيف بأن شيئاً ما في طرف وعيه بدأ يتلاشى.
الذاكرة الأولى التي شعر بتآكلها كانت تافهة بشكل مضحك: رائحة الغرفة التي نام فيها في بيت إميليا أول مرة. ثم تلتها صورة وجه والده وهو يخبره بشيء ما — لم يعد يتذكر ماذا.
لا بأس. هذه تفاصيل. الجوهر موجود.
كانت تقف أمامه في ممرّ البرج، عيناها المزرقّتان تدرسانه بقلق لم تعتَد إخفاءه. لاحظت شيئاً. بياتريس دائماً تلاحظ.
المرّة الأولى التي لاحظ فيها سوبارو التغيير الحقيقي كانت حين نظر إلى إميليا وشعر بشيء مختلف.
لم تكن المشاعر قد اختفت. لا. لكنها باتت… مُرتّبة بطريقة ما. كما لو أنه يتذكّر أنه يحبّها بدلاً من أن يشعر بذلك بشكل مباشر. كمسافة زجاجية رفيعة بين الشعور وصاحبه.
هل هذه حقيقة أم مجرّد جملة حفظتُها لأقولها؟
في الليل الذي سبق المعركة الكبرى، جلس سوبارو وحده وحاول أن يستدعي صورة أمّه.
لم يستطع.
ملامحها كانت موجودة — شعرها، ابتسامتها — لكن الإحساس المرتبط بها، تلك الدفء الذي كان يملأ صدره حين يفكّر فيها، لم يعد موجوداً. كما لو أن شخصاً ما أخرج الصورة من الإطار وأبقى الإطار فارغاً.
قالها لنفسه بصوت هادئ وهو ينظر إلى ظلمة البرج.
لكن شيئاً ما في داخله لم يُصدّق ذلك تماماً.
وجده روسوال في تلك الحال، منتصفَ الليل، عيناه المتبايتا اللون تدرسانه بهدوء السحرة القدامى.
ابتسم روسوال بابتسامته الغامضة المعتادة، لكنها كانت أخفّ هذه المرة. أقل تمسرحاً.
البرج كان يتفكّك حول سوبارو وهو يصعد الدرج. صخب المعارك يصل من كل الاتجاهات.
لكن سوبارو لم يكن خائفاً. وهذا بحدّ ذاته كان مخيفاً.
أدرك في تلك اللحظة أن الشعور بالخوف أيضاً قد خُفّف. لم يختفِ، لكنه بات مُصنَّفاً، مُدرَكاً من بُعد بدلاً من أن يسري في عروقه.
واجه لويلس كلوفيل وهو شبه هادئ. الوحش من نوع الأسد استدعاه وزير الشره — الأسقف الذي ابتلع ذكريات لا تُحصى.
بعد انتهاء المعركة، وجدها جالسةً في ركن من ردهة البرج، تحتضن كتابها كعادتها. لكن عيناها كانتا ترقبانه حين اقترب.
توقّف. الجواب السهل كان أن يقول نعم. لكن بياتريس لا تستحق الجواب السهل.
نهضت بياتريس ببطء، وسارت نحوه، وأمسكت بيده بكلتا يديها الصغيرتين.
كان يتوقع أن يشعر بالدفء المعتاد. جاء الدفء، لكنه وصل خطوة واحدة متأخراً، كما لو مرّ عبر طبقة رقيقة.
ومع ذلك، أحسّ بشيء ما يتشكّل في صدره — شيء يشبه كثيراً الامتنان.
وهذه المرة… شعرتُ بها.
انتهت المعارك. إميليا بأمان. البرج سقط. والثمن دُفع.
في مساء ذلك اليوم، جلس سوبارو على حافة التلة المطلّة على السهل، ينظر إلى الأفق. كانت السماء ذات لون برتقالي عميق — اللون الذي أحبّه دائماً في غروب الشمس.
هل ما زلتُ أحبّه؟
لاحظ أن الإحساس بالجمال لا يزال موجوداً. خُفِّف، نعم، لكنه باقٍ. وهذا أكثر مما توقّعه.
جلست بجانبه دون أن تُغيّر نظرتها عن الأفق. شعرها الفضي يلمع في ضوء الغروب.
في تلك الليلة، حلم سوبارو بغرفة مليئة بمرايا.
في كل مرآة كان يرى نفسه — لكن كلّ واحدة تعكس نسخة مختلفة. سوبارو يبكي. سوبارو يضحك. سوبارو يصرخ. سوبارو يصمت.
ثم أدرك: هذه ليست مخيّلته. هذه الأصوات الأخرى التي دخلت إليه.
ذكريات موتٍ لم يعِشها بجسده، لكن حُفِرت في وعيه.
لم يُجب فوراً. فكّر طويلاً وهو يتأمّل نفسه في المرايا الكثيرة.
استيقظ عند الفجر. بياتريس نائمة بجانبه، وإميليا في الغرفة المجاورة.
نظر إلى يديه. نفس اليدين. نفس الندوب.
كثيرٌ منّي ذاب. لكن ما بقي… اختار البقاء.
نهاية
Tsugihagu IF